محمد سعيد رمضان البوطي
352
فقه السيرة ( البوطي )
ثانيها : أن يكون المسلم الذي أذن له مكلفا ، كامل الأهلية . ثالثها : أن يكون دخوله لسماع قرآن أو علم ورجي إسلامه ، أو دخل لإصلاح بنيان ونحوه ، وقضية كلام القاضي أبي علي الفارقي أنه لو دخل لسماع القرآن أو العلم وهو ممن لا يرجى إسلامه أنه يمنع وليس لنا أن نأذن له في الدخول ، أي كما إذا كانت الحالة تشعر بالاستهزاء أو بالمجاملة السياسية ابتغاء غرض معين كما هو شأن كثير من الأجانب اليوم . فأما إذا استأذن لنوم أو أكل ونحوه ، قال في الروضة : ينبغي أن لا يؤذن له في دخوله لذلك ، وظاهره : الجواز ، وقال غيره - أي غير النووي - لا يجوز لنا أن نأذن له في ذلك ، قال الفارقي : وفي معنى ذلك ، الدخول لتعلم الحساب واللغة وما كان في معناه ، ولا خفاء أن موضع التجويز إذا لم يخش على المسجد ضرر ولا تنجيس ولا تشويش على المصلين « 1 » . قلت : وأهم من ضرر التشويش ضرر الفتنة التي قد يتعرض لها المصلون بدخول نساء كافرات وهن بأزيائهن الفاضحة ، ومثل الدخول للنوم والأكل في المنع ، الدخول للنظر في معالم البناء ونقوشه . ثانيا : ( حسن معاملة الوفود والمستأمنين ) والفرق بين الوفد والمستأمن ، أن الأول قادم رسولا عن قومه وهو يكون دائما مكونا من عدة أفراد ، أما الثاني فقادم لنفسه يطلب الأمان في بلاد المسلمين ريثما يأخذ علما عنهم وعن الإسلام . فأما المستأمن فقد أمر اللّه بحسن استقباله والمحافظة عليه ثم إبلاغه مأمنه عندما يريد ذلك ، وذلك بصريح قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ . . . [ التوبة : 6 ] . وأما الوفود ، فقد دل على هذا الحكم أيضا في حقهم ، القياس على المستأمن ، وعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حسن سياسته ومعاملته معهم ، فقد رأيت كيف أكرم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وفد ثقيف في القدوم والإقامة . ثالثا : ( أحق الناس بالولاية والإمامة أعلمهم بكتاب اللّه تعالى ) ولذلك أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عثمان بن أبي العاص على ثقيف ، فقد أعجبه ما رأى فيه من الحرص على فهم كتاب اللّه
--> ( 1 ) إعلام الساجد للزركشي : 319 - 321 باختصار .